عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
411
اللباب في علوم الكتاب
يدخلوا للمخاصمة والمحاكمة والمحاجّة ؛ لأن كلّ ذلك يتضمّن الخوف ، والدليل عليه قوله تعالى : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر [ التوبة : 17 ] . وخامسها : قال قتادة والسّدي : بمعنى أن النصارى لا يدخلون « بيت المقدس » إلا خائفين ، ولا يوجد فيه نصراني إلا أوجع ضربا ، وهذا مردود ؛ لأن « بيت المقدس » بقي أكثر من مائة سنة في أيدي النّصارى بحيث لم يتمكّن أحد من المسلمين من الدّخول فيه إلا خائفا ، إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين - رحمه اللّه - في زماننا . وسادسها : أنه وإن كان لفظه لفظ الخبر ، لكن المراد منه النهي عن تمكينهم من الدخول ، والتخلية بينهم وبينه كقوله تعالى : وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [ الأحزاب : 53 ] . [ وسابعها : أنه خبر بمعنى الإنشاء أي أنهضوهم بالجهاد حتى لا يدخلها أحد منهم إلّا خائفا من القتل والسّبي ] « 1 » . قوله : « لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ » هذه الجملة وما بعدها لا محلّ لها لاستئنافها عما قبلها ، ولا يجوز أن تكون حالا ، لأن خزيهم ثابت على كلّ حال لا يتقيّد بحال دخول المساجد خاصّة . اختلفوا في الخزي ، فقال بعضهم : ما يلحقهم من الذّل بمنعهم من المساجد ، وقال قتادة القتل للخزي ، والجزية للذمي . وقال السدي : الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي ، وفتح « عموريّة » و « روميّة » و « قسطنطينيّة » ، وغير ذلك من مدنهم ، والعذاب العظيم [ فقد وصفه اللّه - تعالى - بما ] « 2 » يجري مجري النهاية في المبالغة ؛ لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم ، فبيّن أنهم يستحقون العقاب العظيم . فصل في دخول الكافر المسجد اختلفوا في دخول الكافر المسجد ، فجوزه أبو حنيفة مطلقا ، وأباه مالك مطلقا . وقال الشافعي رضي اللّه عنه : يمنع من دخول الحرم ، والمسجد الحرام ، واحتج بوجوه منها قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [ التوبة : 28 ] ، قال : قد يكون المراد من المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ الإسراء : 1 ] وإنما أسرى به من بيت خديجة فالآية دالة ، إما على المسجد فقط ، أو على الحرم كله ، وعلى التقديرين ، فالمقصود حاصل ؛ لأن الخلاف حاصل فيهما جميعا .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في أ .